فارس نت
07-08-2006, 05:04 PM
عندما وقعت كارثة غرق العبارة السلام 98 لصاحبها السيد ممدوح إسماعيل وولده، اعتبر الكثيرون أن حادث الغرق هذا رمزياً يعبر عن غرق نظام بأكمَلِه، وأن الأسباب الكامنة وراء غرق العبارة رابضة في كل زاوية وركن ومفصل من هيكل النظام
كانت الفكرة واقعية وملهمة إلى حد ما، اختزال صورة أو مشهد كبير في صورة أو مشهد أصغر، لكنه يحتوى كل العناصر الأساسية للصورة الكبيرة، غير أني لم أتخيل درجة التطابق حتى على مستوى التفاصيل بين مشهد غرق العبارة الذي كان، ومشهد غرق النظام والدولة الجاري
لم أتخيل درجة التطابق هذه حتى سمعت تسجيل الصندوق الأسود للعبارة في حلقة
"القاهرة اليوم"
التي استضاف فيها عمرو أديب مالك العبارة وولده
*********
التسجيل المبكي المضحك أظهر كيف تعامل القبطان مع الموقف الذي تعرضت له العبارة التي يقودها، وكيف أن طاقم العبارة من مساعديه كانوا يصرخون مع استفحال الخطر وتدهور الموقف، بينما بقي القبطان مظهرا ما يتجاوز رباطة الجأش ويدخل في نطاق الاستخفاف وسوء التقدير والعجز الكامل عن التصرف واتخاذ القرار المناسب
ما بدأه قبطان السلام 98 بالاستخفاف وسوء التقدير الذي جعله يرفض عدة مرات صرخات مساعديه بتوجيه المطالبة بإرسال استغاثة بدعوى أنه لا حاجة لذلك وأن كل شيء تحت السيطرة وتمام، كان طبيعيا أن ينتهي بعجزه وشلله الكامل لحظة انجلاء الحقيقة، عندما تعالى الصراخ من حوله أن
"المركب بتغرق يا قبطان"
فكان رده في لحظة الشلل تلك
" لف الضومان شمال..لف الضومان شمال.."
ثم في لحظات تحول الصراخ من
"المركب بتغرق يا قبطان"
إلى
"المركب غرقت يا قبطان..المركب غرقت يا قبطان"
مترافقا مع صرخات تسأل عن "اللايف جاكيت"، وكان واضحا من نبرة الأصوات في لحظة الرعب والهلع مخاطبة القبطان بصيغة أن المركب غرقت واللي كان كان ووقعت الكارثة يا قبطان ولم يعد من جدوى من لف الضومان لا يمين ولا شمال
أقول كان واضحا من نبرة الأصوات والصرخات في تلك اللحظة أنها تلقى باللائمة على القبطان وتسخر من ردود فعله وكلامه منذ بداية الأزمة وحتى نهايتها بغرق العبارة وفي بطنها أكثر من ألف مصري في قاع البحر
*********
هذا المشهد الصغير يتطابق إلى حد كبير مع المشهد الكبير الذي نعانيه، حيث يشعر الجميع أن وطنا بأكمله قد اختلت دفته ومال حاله وساده الهرج والمرج وغطست أجزاء كبيرة من جسده منذرة بغرق وشيك، وحيث تتعالى الصيحات والصرخات للقبطان الكبير أو ربان السفينة، منذرة من الغرق الوشيك
لكن ربان السفينة وطواقمه لا يفتأون يرددون أن لا داعي للفزع والهلع، وأن كل شيء على ما يرام وتمام التمام
وأنهم – أي القبطان وطواقمه – يلفون الضومان على أحسن ما ينبغي
مرّة في اتجاه تعديلا دستورية، ومرة في اتجاه قوانين استثمار، ومرة في اتجاه اتفاقيات شراكة اقتصادية وكويز وخلافه، ومرة ببرنامج انتخابي ولا في الأحلام يا سلام
يلفّون الضومان والشعب لا يرى ولا يشعر أن السفينة أحوالها تتحسن أو ميلها يستقيم أو انحدارها يتوقف
*********
الشعب يرى السفينة تغرق بأم عينيه، ويفقد كثيرون منه اتزانهم وينزلقون ويتخبطون ويقعون ويتصادمون ومنهم من يحمله الانحدار الشديد على كسح أرضية السفينة من أقصاها إلى أقصاها قبل أن تلفظه إلى أمواج البحر
يحدث كل هذا وتسود الفوضى وينتشر الرعب والهلع، بينما الربان وطاقمه منكبون على الضومان، يوم لا ينفع مال ولا ضومان إلا من أتى الله بإصلاح سليم
المشكلة أنك عندما تفكر فيما يتعين على ركاب سفينة أو عبارة عمله إذا تعرضوا لموقف من هذا النوع وصادفهم قبطان أو ربان يتعامل بهذا الاستخفاف وسوء التقدير ماضيا بالكوارث والأزمات إلى منتهاها عندما تلجم الجميع بالعجز والشلل قبل أن تلقمهم في بطنها
عندما تفكر في الخيارات أمام ركاب سفينة في هذا الموقف ستجدها تقريبا معدومة، ولن تجد أمامهم من بديل سوى تسليم أمرهم إلى خالقهم وأن ينتظر كل منهم ما سطره له القدر
*********
ربما كان الحال – وهنا من حسن الحظ الاختلاف الوحيد بين الصورة الصغيرة والصورة الكبيرة – على ظهر العبارة السلام 98 ووقع المفاجأة وضيق الوقت وطبيعة الموقف سببا في تحقق الكارثة وجعلها كالقدر الذي لا مفر منه، لكن بالنسبة لسفينة الوطن، فإن المفاجأة لا محل لها، والوقت لم يكن ضيقا، كما أن طبيعة الموقف تتيح خيارات لم يكن يملكها ضحايا السلام 98
الجواب هنا، أعني المخرج، هو أن يدرك ركاب السفينة مصر إلى أين تمضى بهم الحوادث وتطوراتها وإلى أين يقودهم ربانهم وطواقمه، لأنهم إن لم يفعلوا فالله وحده يعلم متى يبدأون في الصراخ طالبين اللايف جاكيت، وإن كان الركبان سيصلهم عنا صندوق أسود آخر يروى ما حدث
أدعوا الله ألا يكون مصير مصر هو نفس مصير السلام 98...آمين
كانت الفكرة واقعية وملهمة إلى حد ما، اختزال صورة أو مشهد كبير في صورة أو مشهد أصغر، لكنه يحتوى كل العناصر الأساسية للصورة الكبيرة، غير أني لم أتخيل درجة التطابق حتى على مستوى التفاصيل بين مشهد غرق العبارة الذي كان، ومشهد غرق النظام والدولة الجاري
لم أتخيل درجة التطابق هذه حتى سمعت تسجيل الصندوق الأسود للعبارة في حلقة
"القاهرة اليوم"
التي استضاف فيها عمرو أديب مالك العبارة وولده
*********
التسجيل المبكي المضحك أظهر كيف تعامل القبطان مع الموقف الذي تعرضت له العبارة التي يقودها، وكيف أن طاقم العبارة من مساعديه كانوا يصرخون مع استفحال الخطر وتدهور الموقف، بينما بقي القبطان مظهرا ما يتجاوز رباطة الجأش ويدخل في نطاق الاستخفاف وسوء التقدير والعجز الكامل عن التصرف واتخاذ القرار المناسب
ما بدأه قبطان السلام 98 بالاستخفاف وسوء التقدير الذي جعله يرفض عدة مرات صرخات مساعديه بتوجيه المطالبة بإرسال استغاثة بدعوى أنه لا حاجة لذلك وأن كل شيء تحت السيطرة وتمام، كان طبيعيا أن ينتهي بعجزه وشلله الكامل لحظة انجلاء الحقيقة، عندما تعالى الصراخ من حوله أن
"المركب بتغرق يا قبطان"
فكان رده في لحظة الشلل تلك
" لف الضومان شمال..لف الضومان شمال.."
ثم في لحظات تحول الصراخ من
"المركب بتغرق يا قبطان"
إلى
"المركب غرقت يا قبطان..المركب غرقت يا قبطان"
مترافقا مع صرخات تسأل عن "اللايف جاكيت"، وكان واضحا من نبرة الأصوات في لحظة الرعب والهلع مخاطبة القبطان بصيغة أن المركب غرقت واللي كان كان ووقعت الكارثة يا قبطان ولم يعد من جدوى من لف الضومان لا يمين ولا شمال
أقول كان واضحا من نبرة الأصوات والصرخات في تلك اللحظة أنها تلقى باللائمة على القبطان وتسخر من ردود فعله وكلامه منذ بداية الأزمة وحتى نهايتها بغرق العبارة وفي بطنها أكثر من ألف مصري في قاع البحر
*********
هذا المشهد الصغير يتطابق إلى حد كبير مع المشهد الكبير الذي نعانيه، حيث يشعر الجميع أن وطنا بأكمله قد اختلت دفته ومال حاله وساده الهرج والمرج وغطست أجزاء كبيرة من جسده منذرة بغرق وشيك، وحيث تتعالى الصيحات والصرخات للقبطان الكبير أو ربان السفينة، منذرة من الغرق الوشيك
لكن ربان السفينة وطواقمه لا يفتأون يرددون أن لا داعي للفزع والهلع، وأن كل شيء على ما يرام وتمام التمام
وأنهم – أي القبطان وطواقمه – يلفون الضومان على أحسن ما ينبغي
مرّة في اتجاه تعديلا دستورية، ومرة في اتجاه قوانين استثمار، ومرة في اتجاه اتفاقيات شراكة اقتصادية وكويز وخلافه، ومرة ببرنامج انتخابي ولا في الأحلام يا سلام
يلفّون الضومان والشعب لا يرى ولا يشعر أن السفينة أحوالها تتحسن أو ميلها يستقيم أو انحدارها يتوقف
*********
الشعب يرى السفينة تغرق بأم عينيه، ويفقد كثيرون منه اتزانهم وينزلقون ويتخبطون ويقعون ويتصادمون ومنهم من يحمله الانحدار الشديد على كسح أرضية السفينة من أقصاها إلى أقصاها قبل أن تلفظه إلى أمواج البحر
يحدث كل هذا وتسود الفوضى وينتشر الرعب والهلع، بينما الربان وطاقمه منكبون على الضومان، يوم لا ينفع مال ولا ضومان إلا من أتى الله بإصلاح سليم
المشكلة أنك عندما تفكر فيما يتعين على ركاب سفينة أو عبارة عمله إذا تعرضوا لموقف من هذا النوع وصادفهم قبطان أو ربان يتعامل بهذا الاستخفاف وسوء التقدير ماضيا بالكوارث والأزمات إلى منتهاها عندما تلجم الجميع بالعجز والشلل قبل أن تلقمهم في بطنها
عندما تفكر في الخيارات أمام ركاب سفينة في هذا الموقف ستجدها تقريبا معدومة، ولن تجد أمامهم من بديل سوى تسليم أمرهم إلى خالقهم وأن ينتظر كل منهم ما سطره له القدر
*********
ربما كان الحال – وهنا من حسن الحظ الاختلاف الوحيد بين الصورة الصغيرة والصورة الكبيرة – على ظهر العبارة السلام 98 ووقع المفاجأة وضيق الوقت وطبيعة الموقف سببا في تحقق الكارثة وجعلها كالقدر الذي لا مفر منه، لكن بالنسبة لسفينة الوطن، فإن المفاجأة لا محل لها، والوقت لم يكن ضيقا، كما أن طبيعة الموقف تتيح خيارات لم يكن يملكها ضحايا السلام 98
الجواب هنا، أعني المخرج، هو أن يدرك ركاب السفينة مصر إلى أين تمضى بهم الحوادث وتطوراتها وإلى أين يقودهم ربانهم وطواقمه، لأنهم إن لم يفعلوا فالله وحده يعلم متى يبدأون في الصراخ طالبين اللايف جاكيت، وإن كان الركبان سيصلهم عنا صندوق أسود آخر يروى ما حدث
أدعوا الله ألا يكون مصير مصر هو نفس مصير السلام 98...آمين